حسام وهببحث |
هل هو سيف دمشقي ؟ !
اثار التعديل الذي اجرته القناة الأولى على شعارها ( اللوغو ) سؤالاً قديماً حول صحة
تسمية النصب المجاور لمبنى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ، والذي استوحي منه شعــار القناة الأولى ، باسم السيف الدمشقي 0 ووجه الاعتراض أن السيف الدمشقي الذي اشتهر في التاريخ ، وتفاخر بامتلاكه كبار القادة والمحار والمحاربين قد امتاز بانحنائته القوسية الجميلة في حين أن النصب له شكل هندسي متناظر مختلف كليا وقد قيل في وصف السيف الدمشقي الكثير ، وكتب ما يصعب حصـره عن جماله وقدرته ، ومن ذلك قصة متداولة عن مساجلة قصيرة بين صلاح الدين الأيوبي وأحـد قـادة جيوش الفرنجة عشية معركة بينهما قص خلالها القائد الفرنجي قطعة حديد بضربة من سيفه واتبع ذلك بالقول : سنقاتلكم بسيوف كهذا 00 فقام صلاح الدين بقذف منديل حريري عالياً ثم استل سيفه وقطع المنديل وهو في الهواء مكرراً عبارة خصمة ذاتها : - ونحن سنقاتلكم بسيوف كهذا 00 والحكاية كما هو بين تشير إلى رهافة حد السيف الدمشقي وقد عـزا بعض المؤرخين شهرته إلى هذه الرهافة ، فيما نسبها أخرون إلى سبكته المعدنية ( السرية ) وقد كانت موضع إعجاب المؤرخين غير العرب الذين اسهبوا في الحديث عن ميزات الفولاذ الدمشقي فأسماه الأتـراك " قليح " أي قاطع الشعر ، والفرس " بولاد جاهاردير " وتعني الفولاذ العظيم ، ولم يتوقف الاهتمام بالفولاذ الذي صنع منه السيف الدمشقي في الأزمنة التالية فأجرى العالم الروسي " انوسوف " في النصف الأول من القرن التاسع عشر الاف التجارب ليتوصل إلى صناعة فولاذ يحمل نفس ميزات الفولاذ الدمشقي ثم قام ومن بعده خلفه " تشيرنوف " المختـص بعلم التعدين بوضع الأسس العلمية لطرق صناعة الفولاذ الدمشقي 0 وقد منحت هذه السبيكة الفولاذية النادرة السيف الدمشقي الصلابة والمرونة وخفة الوزن بآن معاً ، يضاف ذلك إلى شكله الجميل وزخارفه الرائعة التي برع الصناع بتنزيلها على سطح السيف بالذهب والفضة ،ولهذا كثيراً ما اعتبر السيف الدمشقي هديـة مرتفعة 2 ![]() المكانة يتبادلها الملوك والقادة وكبار القوم ، أما " تيمور لنك " فلم يكتف حين اجتاح دمشق بالاستيلاء على سيوفها وأنما اصطحب معه حين غادرها إلى بلاده صناع السيوف في مـن أصطحب من صناع دمشق وحرفييها وعلمائها 0 0 هذا عن السيف فماذا عن النصب ؟ ! اقيم النصب الذي يبلغ ارتفاعه نحو ار بعين متراً عند المدخل الغربي لمعرض دمشق الدولي في مطلع الستينات كنصب تذكاري للمعرض ، وقد أنجز تصميمه المعماري في مكتب هندسي بالقاهرة بتأثير نظريات العمارة التي أطلقها " لوكوربوزيه " وقام بتنفيذه متعهدون محليون 0 ويمتاز التصميم اساساً بواجهتيه الزجاجيتين الفسيحتين اللتين كان من المفترض حسب رأي المصمم تنفيذهما من الزجاج الملون والحديد على شكل إعلام الدول المشاركة في المعرض ، إلا صعوبة التنفيذ حينذاك أدت إلى استبدال الزجاج بمــادة " البلكس غلاس " وأدت صعوبة تبديل هذه الاعلام كل سنة وتلف الكثير منها ، بسبب عوامل الطقس وما تتركه من أثر عليها وعلى الشبكة المعدنية الحاملة لها ، إلى تكليف الفنان الراحل عبد القادر أرناؤوط في الثمانينات بإيجاد بديل دائم ، فكان أن اختار مادة البولستر لتنفيذ أشكال هندسية مجردة وملونة مستوحاة من أعلام الدول دون وجود أي علم محدد بينها ، واستمر هذا الشكل دون تبديل إلى التسعينات حين كانت دار الاوبرا قد حلت محل الجهة الغربية من معرض دمشق الدولي ، وبدأت التحضيرات الفعلية لانتقال مدينة المعرض بأكملها إلى غوطة دمشق بحيث تبدلت الوظيفة السابقة للنصب وانتقلت ملكيته من مديرية المعرض إلى وزارة الثقافة ، فقامت الدكتورة نحاج العطار وزيرة الثقافة حينذاك بتكليف الفنانين احسان عنتابي ومصطفى علي بإنجاز تصميم جديد لوا جهتي النصب يتناسب مع واقعه الجديد ، فأختار الفنانان الحفاظ على معطيات التصميم الأساسي وترميم الجسم البيتوني للنصب دون تغيير معالمه كأحـد نماذج العمارة في الخمسينات ومن مبدأ الحفاظ على عمر المدينة والنماذج الهامة لمراحلها 0 3 ويقول احسان عنتابي: " إن التصميم استوحي من قبس النار وهي المعرفــة الأولى للانسان ، وكذلك يلتقي تجريد النار بلون الوردة وشكلها ليؤلف حضوراً لصالح الاضداد بالمعنى ، ومؤكداً على التضاد اللوني شكلاً ، متمثلاً بالكتلة الحمراء ومشتقاتها اللونية في مركز ( السيف ) وتتقاطع الخطوط المنحنية والمستقيمة بتناغم يمليه الشكل المعماري ليؤلف إيقاعاً متواتراً يمتلك الفراغ الكبير الذي تحدثه الساحة ، كما تضفي مادة الزجاج حضورا لونياً يكسر الايقاع الرتيب للالوان الرمادية المحيطة بالساحة والذي ينسحب على كامل المدينة ، إن هذا الحضور دعوة لتلوين البيئة واشارة إلى غياب الالوان عن منشآتنا المدنية والتي تشكل ركناً في صورة الحاضرة ومفهومها خاصة بعد التصحرالذي يداهم البيئــة واكتساح الحزام الأخضر المعادل الكامل لمتطلبات حواس الفرد ، وان اعتماد الزجاج الملون واليدوي هو إحياء لتقاليد أعرق صناعة عرفتها سورية منذ القدم وازدهرت تجارتها على السواحل السورية والبحر المتوسط " 00 إلى هنا ينتهي كلام الفنان عنتابي ، لكن نضيف إليه إلى أن مجلة " وول بيبر " الإنكليزية المختصة بالتصميم والاعلان نشرت صورة مختارة للنصب في تحقيق لها عن مدينة دمشق باعتباره أحد معالم المدينة الحديثة إلى جانب مكتبة الأسد ومبان أخرى ، مع الإشارة إلى أن واجهة هذا النصب هي احدى أكبر واجهات الزجاج المعشق في العالم 00 من أين جاء اسم السيف ؟ هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه بعد ما سبق ، فإذا كان شكل النصب يختلف كما أسلفنا كلياً عن شكل السيف الدمشقي ، واذا كانت وظيفته لها علاقة بمعرض اقتصادي وفني واجتماعي فكيف انتشرت بين الناس تسميته بالسيف الدمشقي ؟ ! 00 في الحقيقة لا أملك جواباً مقنعاً ، لكن أذكر أنه أثر لقاء تلفزيوني أجرته معي الإعلامية القديرة الزميلة لينا مباردي قبل نحو خمس سنوات لصالح برنامجها " من هنا وهناك " وتحدثت فيه بمثل ما تحدثت هنا عن الفارق بين النصب الذي صار يعرف بالسيف الدمشقي والسيف الدمشقي الحقيقي، اقول: أذكر أنه في نهاية ذلك اللقاء أعاد المصور التلفزيوني المرافق للسيدة لينا سبب التسمية إلى أيام حرب تشرين التحريرية يوم أغارت الطائرات الإسرائيلية على دمشق ، وبحسب رواية المصور فإن الطائرات التي كانت تستهدف مبنى الإذاعة والتلفزيون لم تسـتطع الاقتراب من هدفها لوجود النصب المرتفع، ومن هنا أطلق عليه الناس وصف السيف 0 4 القصة بلا شك لا تتفق مع الحقيقة لكنها تنتمي بشكل ما إلى الخيال الشعبي وإلى الأسطورة الشعبية المحببة التي تمنح المكان قيمة للبطولة كإنسانه 00 وهي تضيف إلى علاقة المكان بعداً معنوياً 00 فوجود ( السيف – النصب ) إلى جوار مبنى الهيئة جعل الربط بينهما أمراً تلقائياً ، وربما كان هذا هو السبب الذي دفع المخرج هيثم حمود حين كلف بتصميم شعار القناة الأولى لأن يختار النصب كمنطلق لتصميمه ويعيد صياغته باستخدام الأحرف الأولى من عبارة التلفزيون العربي السوري ، وقد صار النصب ملازماً لهيئة الإذاعة والتلفزيون ، حتى أكثر من شعارها الرسمي ، فقدمت نماذج مصغرة منه للفنانين العرب الذين شاركوا في الاحتفالات الوطنية السورية ، كما اختير لخلفية مسرح دار الاوبرا في حفل ماجدة الرومي قبل أشهر قليلة 0 إن التعديل الذي اجري على شعار القناة الأولى مع مطلع شهر رمضان الحالي ، إنما يهدف إلى إظهار القيمة الجمالية للنصب الذي استوحي منه الشعار سواء تعلق الأمر بعمارته الانسيابية الجميلة ، أم بزخارف زجاجه الملون المعشق الموغل في تاريخنا الحضاري 00 والتي أبدع فنانونا المعاصرون بابتكار نموذج حديث منها 00 ولكن السؤال الذي يبقى موضع التداول هل يصح الاستمرار باطلاق اسم السيف الدمشقي على النصب رغم كل مافيه من اختلاف عن شكل السيف الدمشقي ؟ ! ربما تجاوز الأمر حدود الرغبة الشخصية فالاسم قد شاع إلى درجة اصبح من المتعذر معها استبداله خاصة وأن لا بديل يملك الإيقاع نفسه 00 وخاصة أيضا 00 إن فيما ترمز إليه الوردة والنار في زخارف النصب ما يجعله رمزاً لمدينة تقابل محبيها وكارهيها كل بما يستحق 0 لكن المهم في كل الأحوال الا يسود الاعتقاد بأن هذا هو شكل السيف الدمشقي ولو عرف النصب به ، ألا ننسى براعة الأسلاف الذين جعلوا السيف الدمشقي خالداً في التاريخ و رمزاً للصلابة والمرونة والجمال0 ( categories: سعد القاسم )
All rights reserved for the artist Husam Wahab personally |