إلياس الحاج

دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة و فنون
الثلاثاء 2 كانون الثاني 2007
إلياس الحاج
في المشهد الدرامي (التلفزيوني ، السينمائي ، المسرحي ) كما في الصورة المسموعة عبر أثير المسمع الإذاعي ، كما في الرسوم المتحركة ، تنتقل حاسة البصر والبصيرة في معرض الفنان حسام وهب " زوجتي وَ .. أنا " الموحي بمشاهد درامية كاريفزيونية من واقع الحياة اليومية ، راصداً بلقطات في غاية الذكاء والدربة صوراً ساخرة ناقدة ، بدت في غالبها تهكمية لاذعة لواقع الزوج ، وبلغة فنية راقية تبتعد عن الاستهلاك في اللقطة ( الفكرة ) ، معتمداً في ذلك الاختزال البصري التكويني في حركة كاريكاتورية حسية لونية ، موازية لمخيلة درامية خصبة امتلكت مفرداتها الفكرية والجمالية المختلفة خصوصية الأسلوبية لشخصية إبداعية تتفرد في إتقان مبالغتها في الرسم وبساطتها في التعبير المحترف عن المواقف والأفكار الكاريكاتورية ­ التلفزيونية ­ المباشرة والمبتكرة ( اللقطات) .

( مقاربة في الذاكرة واللقطة ) ‏

 

....وأنا في الطريق الواصل إلى الصالة التي يعرض فيها البارع في رسومه الكاريكاتورية ، الصديق حسام وهب ، استرجعت في ذاكرتي العديد من لقطات كوادر مشهدية كانت قد سجلتها عدسة ذاكرة صور الأيام الخوالي في مطلع الثمانينيات من القرن الفائت، يوم كنت أسكن في أحد أحياء دمشق القديمة " القيمرية " وما إن دلفت الزقاق الذي تجمعني مع معظم أهله علاقة حميمة قديمة ، والواصل إلى باب تربع في داخله البيت الدمشقي المسمى"عالبال " بعد أن تم تحويله مثل عدد من بيوتات الحي إلى أمكنة يرتادها الزبائن للأكل والشرب واللهو ، غير أن زميلتنا الكاتبة والصحفية الجادة "رواد إبراهيم" لم تخرج من معطف ثقافتها فحولت القسم العلوي من " عالبال" إلى صالة معارض ، متصل الطريق إليها في خط واحد مع بيتي القديم ، المطل بشرفته ومشربيات نوافذه على حركة المارة، مراقباً من خلالها أفعال ومشية الأزواج متخيلاً نفسي في كثير من الأحيان بموقع أحدهم عند أول ملاحظة على الزوجة وردود أفعال الزوج ، كما ولو أن لقطات أيام زمان متقاربة مع عنوان معرض الكاريفزيوني " حسام وهب " العازب حتى ساعة كتابتي هذه عن معرضه " زوجتي وَ .. أنا " ، ولطالما كنت لا أزال عازباً مهتماً في تلك الأيام ، بكتابة أحداث كاريفزيونات درامية (شخصيات درامية)عن بعض النماذج المارة أمامي والمحرضة لكتابة تلك الشخصيات عن الحياة الزوجية ، والمستقاة بعضها من أسرار البيوتات المتراصة،والملاصقة لبعضها في القيمرية ، ومنها بيوت تطل باحاتها وبعض غرفها على بيتي ، مما يتاح للمرء صاحب العقل الكاريفزيوني أن يسمع أصوات الجيران ، ويراقب إن كان فضولياً أفعالهم ولاسيما الزوجات والأزواج ، الأمر الذي دفعني أن أفكر حقيقة بما كنت أكتبه عما يشبه اليوميات عن الحياة الزوجية ، في صورة بدت في مقاربتها الدرامية مشابهة إلى حد كبير مع تلك اللقطات المبتكرة والمعيشة التي مررت أمامها لوحات رسومها بعد دخولي صالة عالبال ، والتي تحولت جدرانها إلى كاريفزيون ( شخصيات كاريكاتورية درامية تلفزيونية ) ، وهو العنوان الذي ينشر فيه " وهب " رسومه الكاريفزيونية على صفحة الغلاف الداخلي الأخير من مجلتنا العزيزة " فنون " والذي أشار بالتوضيح عنه الكاتب والناقد التشكيلي الأستاذ سعد القاسم رئيس تحرير " فنون " في كلمته " زوجته وهو .. " على بروشور المعرض تلك الكلمة المحكمة ، التي ما إن قرأتها بإمعان ، حتى استرجعت ثانية ما كنت أفكر فيه وأعيش معه من أحداث ولقطات يومية كنت أعتبرها رأسمال أعمالي الكتابية وأنا في مرحلة العزوبية ، وهي باعتقادي الحالة المشابهة التي استقى منها الصديق العازب " وهب " لإنجاز أفكار أعماله الكاريفزيونية . ‏ الناقد التشكيلي القاسم ‏ ( لا بد أن حسام متزوج سراً .... ! )

 

... والتي دفعت الصديق العازب أيضاً القاسم إلى الكثير من التعليقات المحببة حولها مؤكداً معانيها في كلمته الودية : مراراً ما أطلق أحدنا التعليق ذاته : لا بد أن حسام متزوج سراً .. ! حدث هذا في كل مرة تقريباً كنا نخرج فيها المجلة ووجدنا مع الرسوم المرسلة من حسام كاريكاتورياً عن العلاقة الزوجية.. ‏ بعض أسباب شكوكنا أن الزوج في رسوماته رقيق الحجم دائماً كما هو حسام إلى حد ما.وهو يشبهه بشكل ما بعد عدة سنوات من يومنا الراهن ...ومن الزواج الذي افترضناه... ‏ غير أن شكوكنا قادتنا إلى احتمالات أكثر أمناً: ‏ أن يكون حسام في رسوماته تلك يروّض نفسه على أيام الزواج القادمة ،أو أنه يعبر دون قصد عن ولعه بامرأة من قياس XXL وعلى كل فليست الزوجات هن الموضوع الوحيد الذي يميل حسام لتناوله في رسومه التي ينشرها في "فنون" بصفحة تحمل اسم "كاريفزيون" فمن الواضح من الاسم المركب من كلمتي:كاريكاتور و تلفزيون ان أهل التلفزيون هم موضوع أساسي لرسوماته التي كثيراً ما أثارت إلى جانب الابتسامة : ‏ التساؤل و العتب...... ‏ وهو في هذه الرسوم و تلك التي يلتقط المفارقة الساخرة في السلوك الإنساني الاجتماعي و يقدمها ببساطة : فكرة و رسماً...بعيداً عن التعقيد أو الاستعانة بالكلمات.. ‏ التشكيلي د . زيات ‏ ( الناس كلهم متزوجون بأفكارهم .. ! ) ‏ وما إن انتهيت من قراءة تلك الكلمات في ركن خاص بالجلوس في الصالة ، رفعت نظري إلى التشكيلي الشهير الدكتور إلياس زيات الجالس قبالتي وإلى جانب مكتب المشرفة على صالة عالبال ، السيدة رواد إبراهيم المرحبة بنا بحفاوة ولباقة معهودة بها ، فسألته على مسمع عدد من رواد المعرض : كيف يمكن أن ينجب الفنان الفكرة ، وبرأيك من أين يأتي حسام وهب بكل تلك الأفكار التي يلون فيها رسومه الكاريكاتورية .. ؟! .. صمت الأستاذ زيات متأملاً السؤال .. ثم أجاب بنبرة لا تخلو من الشرود .. من الشارع .. من الحياة .. فسألته ثانية : وهل تعتقد معي أنه متزوج سراً كما ذكر في كلمته الأستاذ سعد القاسم على البروشور ؟!.. فأجاب ببرود: الناس كلهم متزوجون بأفكارهم..!. ‏ والتفت إلى الصديق حسام وهب صاحب الأسلوبية الخاصة في نقل اللقطة الكارفزيونية الساخرة المختزلة من يوميات " زوجته وَ....هو " إلى كوادر أعاد نتاج معالجتها وصياغتها كاريكاتورياً، وهو لا يزال كما نعرفه ممتثلاً لهدوء ينطوي على حياء في علاقته مع كل تعليق يردد حول رسومه العميقة في جوهرها ودلالاتها الواقعية ، وكأننا أمام شخصية حيادية لا موقف لها من كل ما يصل إلى مسامعه حول فنه الراقي والجريء ، والمثير أحياناً للتعليق بنبرة تهكمية على الزوجة والزوج على حد سواء ، في كثير مما ينجزه من رسوم كاريكاتورية تستدعي التوقف عندها بالتفكير والابتسامة ، وسألته عن أفكاره ومن أين يلتقطها ، فالتفت إلى الأستاذ القاسم وأجاب: من الحياة الزوجية !!! .. وكأنه أراد أن يوحي بنبرة ملغومة إلى ما سجله الأستاذ القاسم في كتابته ، لتعلو الضحكات التي أردف بالتعليق الذكي والمرح عليها كعادته الأستاذ القاسم ، الذي ما يلبس أن يحلق حوله أكثر من اثنين حتى يطلق العبارات القصيرة والمفردات اللطيفة التي لا تخلو في معظمها من رهافة التعبير في الصورة المشابهة للرسم الكاريكاتوري لمواقف يتقن وبمهارة توصيفها بأقصر زمن ، وبالتالي تحول اللقاء مع صاحبنا وهب إلى مواقف كارفزيونية في حالة من الود والضحك . ‏ الأديب الباحث المالح ‏ ( وهب فنان اللقطة الذكية والشكل المعبر ) ‏ ذلك الضحك المريح ، الذي تحدث عنه الأديب الباحث ياسر المالح في كلمته على بروشور المعرض : الضحك الذي يثيره شكل أو موقف أو نكتة يريح الإنسان في كثير من الأوقات. لكن الضحك الذي تثيره سخرية في خطاب أو مقال يشغل فكر الإنسان ، وقد يفرج عنه بعض الشيء. ‏ أما الرسّام الكاريكاتوري فهو ترجمة لموقف الفنان مما حوله، و قد يكون نكتة مضحكة أو يكون سخرية مرّة . ‏ وحسام وهب فنان اللقطة الذكية والشكل المعبر فيما يرسم من مواقف وشخصيات. وإذا كان من صفحات الكاريكاتور تجسم العيوب ، فإن بعض الكاريكاتور يسترها قليلاً ، فلا تظهر إلا للقارئ الذكي الذي يعمل فكره في لمح البصر فيكشف المستور ويبتسم . ‏ شكراً صديقنا المبدع حسام وهب ، وقد جمعتنا أمام ومع رسومك وابتساماتها الكاريفزيونية في علاقة مرحة مع الفن والأصدقاء من الأوساط الثقافية والفنية وجمهورك ممن يحترمون ويقدرون لقطات فنك الذكي والراقي . ‏

أخيراً .. يعتبر رسام الكاريكاتير والمصمم للرسوم المتحركة " حسام وهب " إحدى ألمع الشخصيات وأكثرها انتشاراً اليوم في المشهد الكاريكاتوري الثقافي والإعلام السوري والعربي ، بل وأكثر الأصوات الفنية إنجازاً لكل ما هو مبتكر على مستوى البورتريه والذي يشكل في مجمل ما أنجزه أهم معرض للوجوه الفنية والأدبية والفكرية والسياسية ، السورية والعربية والعالمية ، وبذلك اعتبر صاحب معرض مستمر عبر صفحات مجلة " فنون " التي ينشر فيها أسبوعيا «بورتريه» جديداً في الصفحات الداخلية ، ورسماً كاريفزيونياً على صفحة الغلاف الداخلي الأخير في تنوع أخاذ للموضوعات الانتقائية الاجتماعية والسياسية وحتى المناسبات ، والتي اختار مجموعة محددة منها حملت عنوانه المميز " زوجتي.. وَ.. أنا " لمعرضه الفردي الأخير في صالة " عالبال " في دمشق ، وصالة " إلفا " في السويداء .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

( categories: كتبوا )

All rights reserved for the artist Husam Wahab personally
Copying or borrowing are provided that there will be a reference to the origin and without deformation of the work.
For more information, please contact us.