Abu Nawas Magazine
زياد الرحباني انتهى الأحد الفائت أسبوع الآلام لدى الطوائف التي تتبّع التقويم الغربي. وبعد صوم طويل مبارك، أقيمت مراسم صلب المسيح الذي توّج بآلامه آلام المؤمنين الكاثوليك، ومنهم الموارنة على اختلاف انتماءاتهم. وقام في اليوم الثالث واطئاً الموت خاتماً الجمعة العظيمة. وقد بدأ البارحة أوّل أيّام أسبوع الآلام الثاني لدى الطوائف التي تتبّع التقويم الشرقي، وستعاد مراسم صلب المسيح الذي سيخلّص بآلامه بقايا الغساسنة والإغريق، مختصراً آلام القمّة العربية المنعقدة في دمشق لسائر المشرق، وستكون الجمعة العظيمة الثانية. أما الأسبوع المقبل، فستعمّ الآلام دياركم أجمعين وسيُصلب من بقي من الأنبياء والرسل مع حفظ ألقابهم وقد يُسحل عمرو موسى. فيلفّ العويل المواطنين مسلمين ومسيحيين وتحلّ عوارض الأخوّة و«صداع اللحمة النصفي» وفوقها آلام العيش المشترك، وتكون الجمعة الفظيعة. فلنصلِّ.
( categories: )
أنسي الحاج يأخذنا صوت فيروز إلى حيث يريد. «الوجدان السوري تَشَكّل ـــــ كما تقول دلال البزري ـــــ كالوجدان اللبناني، على صوت فيروز... إنها تَعقد وَصلاً انقطع بين الشعبين». أمام التباس المشاعر بين البلدين بعد الخلط الجارح في الخطاب السياسي (وغير السياسي) بين «السوري» و «الحكم السوري»، تأتي زيارة فيروز لدمشق حيث تقدّم مسرحيّتها «صحّ النوم» وكأنّها تصحيح عفوي أو قَدَري، لا فرق، لذلك الالتباس وإعادة الأمور إلى مكانها: الشعبان أقرب شعبين واحدهما إلى الآخر، وبعضهما واحد، والفنان يحاكي روح الشعب وروح الشعب تحلّ فيه ولا علاقة له بالحكّام والأنظمة إلاّ ما قد تقوله أعماله. وهنا، في هذا المجال الفيروزي ـــــ الرحباني الرحب، كلنا، على اختلاف درجاتنا، نجد قدوة في النزاهة والترفع لا غبار عليها. لا شكّ أن رمزيّة ضخمة من لبنان تنتقل مع فيروز حيثما ذهبت، وهي اليوم رمزيّة ترميم جسر الوجدان الشعبي، وخطوة على طريق غسل مظاهر عنصرّية انزلق إليها بعضُنا في حُمّى ألمه أو غضبه. إن المشاكل والحروب بين الدول تجيء وتروح، وتبقى روابط الدم والتاريخ والمصالح والأدب والفنّ والأحلام. فهذه دائمة رغم تنويعاتها وأحياناً تناقضاتها، وهي بريئة من سلوك الحكّام. لو كان حَجب الصوت سلاحاً فاعلاً لوجبت مناشدة فيروز حجب صوتها. ولكن عمّن؟ هل الناس هم الحكّام في سوريا وفي غير سوريا؟ صوت فيروز يغني للإنسان، للإنسان المفرد في الوحدة والمفرد في المجموع، وكلاهما هو الموجَع والمظلوم والعاشق والجريح. إن أوّل من بادر إلى الإحساس بهذا البعد الدافئ والعميق في صوتها هم السوريون. منذ بداياتها الإذاعية في مطلع الخمسينات، ولا سيما في إذاعتي دمشق والشرق الأدنى، وجدت فيروز عمقها الجمهوري في الأذن السورية أوّلاً. إن لهذا دلالات أبعد من الانسجام الطربي، توغل في نسيج الذاكرة المجهولة. الكتّاب، وخصوصاً الأدباء، يعرفون في علاقتهم بقرائهم ما يشبه ذلك. يعرفون، سواء اللبنانيون منهم أو غيرهم، مدى رهافة القارئ السوري وجدّيته. الجمهور الفنّي والأدبي السوري جمهور مثالي لا في التذوّق والمتابعة والانفتاح فحسب بل في سخاء الاحتضان. ليس في تقديم «صحّ النوم» في دمشق لمناسبة إعلانها عاصمة للثقافة العربية 2008 أية مجاملة للحكم السوري بل لقاء الشوق بين فنّانة وأهل. ما بين الجمهور السوري وصوت فيروز من شراكة هو ما بين الحنين وهدفه. يعطيهم صوتها لحظة من التجلّي في طمأنينة صوفيّة غامرة. إن مصافحتها لهم اليوم بعد غياب هي مصافحة كلّ إنسان لبناني لكلّ إنسان سوري وتأكيده له أن جرائم السياسة شأن المجرمين ولا يُحاسَب الناس على ما لا حَول لهم فيه ولا قوّة. ثمة مبادئ يصيب استعمالها مواضع حَميميّة وفي محلّ يصعب القيام بعده. كالعنصرية في الفن والأدب. عهد الحرب العالمية الثانية بين «الحلفاء» و «المحور» لم يتجرأ أحد من الطرفين على توظيف الأدب والفن لا سلباً ولا إيجاباً. قبل ذلك، نيتشه، أحد ملهمي العقيدة التفوّقيّة، لم يهاجم مثله أحد الثقافة الألمانية ولم يُعجب مثله ألماني بالأدب الفرنسي. شيوعيّو المقاومة في فرنسا وحتى مثقفو يهودها لم ينكر أحد منهم في ذروة الكراهية للنازية إعجابه أو تشبّعه بهذا الشاعر الألماني أو ذاك. من المؤسف التذكير بهذه البديهيّات. الذي يرى نفسه مضطراً للجوء إلى سلاح الحصار الفني والأدبي ضدّ عدوه يكشف فراغه من القيم ويَسقط أدنى من عدوه. شيء آخر: لو كان لفيروز، المحبوبة هنا وهناك، أن تؤثّر في قرار الحكّام السوريين لما حلّت الوصاية السورية بلبنان. وقبل ذلك، لو كان لفيروز ما نطالبها به من سلطة سياسية لـ«كارَمها» الفلسطينيون وما ارتكبوا تجاوزاتهم في لبنان، وهي التي دشنت أغنياتها المقاومة الفلسطينية قبل منظمة «فتح». ولو كان لفيروز هذه السلطة لما اقتتل اللبنانيون، أولاً وأخيراً. كما يعجز الحكّام عن استغلال الفنانين ـــــ الفنانين الحقيقيين، وفيروز أوّلهم ــــــ يعجز الفن عن شفاء السلطة من أمراضها والحكّام من سلطويّتهم. الحدود هي هنا. تتلاقى جماهير الفن على حبّه خارج القيود، أبعد من الحدود، كما يتلاقى المؤمنون على الإيمان رغم تناحر دولهم. إن أبشع ما في السياسة هو هذه الغربة بينها وبين البُعد الإنساني، في أعظم الشؤون كما في أبسطها. يأخذنا صوت فيروز إلى حيث يريد. وأبلغ شهادات حبّنا له لا أن نحتجزه معاقبةً لأحد بل أن نفرح به ينقل أجمل ما فينا إلى الآخرين ويترك أينما حَلّ صدى رحمة الفنّ وتبكيت ضمير الحنان.
( categories: )
منذ المراهقة الأولى، حين يبدأ المرء بالخروج من غيتواته الموروثة على اختلافها (الحيّ، المنطقة، الطائفة والعصبيّة المحليّة...) إلى العالم الأوسع، كنا كلّما تعرّفنا بشخص آت من سوريا بدأ الحديث بيننا عن فيروز. في بيروت أولاً، في أوساط المعارضين الذين صاروا إخوة ورفاقاً، ثم في باريس ولندن ومختلف المدن العربيّة والمناسبات الثقافيّة. نادراً ما التقينا جاراً من سوريا، إلا انطلق التواصل بيننا من «السيّدة» إيّاها، صوتها وأغنياتها وشخصياتها الرحبانيّة. كان في الأمر مفارقة مثيرة: من جهة، أنت الذي مللت هذا الإرث الخانق، وضقت ذرعاً بالضيعة وفولكلورها، بتلك النظرة الطوباويّة والساذجة إلى العالم، بالوطن المنزّه والغيبي (صخرة سعيد عقل المعلّقة بالنجم)، بالشعر المنحوت وقوافيه المكرّرة، بالحب الكريستالي البارد، المجرّد من أي شبق ــــــ كما هي صورة لبنان الرحبانيّ، أو كما تراءت للشاب الثائر الذي كنتَه، وجاء زياد الرهيب ليعزّزها آنذاك باسكتشه الإذاعي فيروز في «صح النوم»الشهير: «بحبّك يا لبنان»! ومن الجهة الأخرى، إخوة الحلم وشركاء الوجع، الهاربون من جزمة العسكر، يأتون ليقولوا لكَ في بيروت: هذه فيروزنا، وهذا لبناننا. فهمنا مع الوقت أن فيروز التي كان يتردد أيّام الحرب الأهليّة أنها الرمز الوحيد الباقي لوحدة لبنان، هي أيضاً رمز لأخوّة ما، روحيّة وحقيقية، بين لبنان وسوريا. سوريا، أي أهلها وناسها الذين لا يمكن اختزالهم الى نظام سياسي، علماً بأن السياسة لم تكن يوماً بعيدة عن قصّة الحبّ الغريبة تلك، بين السوريين و«سفيرتنا (سفيرتهم) إلى النجوم»... هناك أيضاً الحبّ الفلسطيني لفيروز، لكنّ تلك حكاية أخرى. اليوم، ترتفع أصوات لبنانيّة، داعية فيروز إلى عدم الذهاب إلى دمشق، حيث ينتظر الجمهور بشوق عرض مسرحيّتها «صحّ النوم» في «دار الأوبرا»، مساء الثامن والعشرين من الشهر الجاري، في إطار برنامج ضخم يواكب إعلان دمشق «عاصمة الثقافة العربيّة للعام ٢٠٠٨». الدعوة اللبنانيّة إلى المقاطعة التي نقلتها بلمحة بصر مجلّة Courrier International الفرنسيّة، هي باسم الحريّة طبعاً، وتحت راية معارضة النظام السوري. لكنّ هذا الموقف، الساذج في أفضل الحالات، إذ نفترض أنّه يستند إلى نيات (ديموقراطيّة) طيبة، فيه افتراء على فيروز أولاً، من خلال زجّها في لعبة ابتزاز هي منها براء... وفيه ظلم لشعب كامل عبر السعي الى عزله، ومطالبته بدفع ثمن باهظ نيابة عن حكّامه. هل اتخذ «دعاة الحريّة العربيّة» الموقف النبيل نفسه، حين قدّمت فيروز المسرحيّة إيّاها في عمّان؟ هل تثور ثائرتهم إذا غنّت في القاهرة أو تونس أو دبي (لن نقول جدّة أو الرياض، فالأمر حتى الآن ما زال مستحيلاً هناك)...؟ أم أن ساعة الديموقراطيّة يجب أن تدقّ، وبسحر ساحر، فقط حيث يقرر الكاوبوي الأميركي، وحين يقرّر ذلك؟ بلى فيروز. اذهبي إلى دمشق. دمشق ليست تل أبيب. طالبنا إلهام المدفعي وقبله سعاد ماسي بمقاطعة الكيان الصهيوني المغتصب. لكنّك بين أهلك في دمشق، في بيتك، بغض النظر عن كلّ شيء... منذ الخمسينات صدح صوتك الصاعد عبر إذاعتها، ومسرح «معرض دمشق الدولي» ما زال يشهد على لحظات تألقك. أنت أرفع من التواطؤ مع أي جلاد، فاذهبي وغنّي للحريّة هناك، وسيسمعك ميشال كيلو ورفاقه من سجنهم... عسى إطلاق سراحهم يكون وشيكاً كي يأخذ الاحتفال بعاصمة الثقافة العربيّة معناه الحقيقي. سيسمعونك، كما يسمعك كل سجناء الرأي، والمضطهدون من أجل قناعاتهم ومبادئهم، في ديار العرب جمعاء، وليس فقط في سوريا. اذهبي وغنّي للناس الذين يحبّونك، عينهم على لبنان وهم يحلمون بغد أفضل. احملي لهم سلاماً من بلدك الجريح الذي قهر البرابرة صيف ٢٠٠٦، لأوّل مرّة منذ نكبة فلسطين. وبشرّيهم بالمجتمع المدني، وبالديموقراطيّة التي تسعى إليها النخبة الشجاعة المستنيرة هناك (وفي المنافي)، خطوة خطوة، بتضحياتها ووعيها وحسّ وطني مترسّخ يمنعها من المقامرة على بلادها، على تعريض وطنها (ودول الجوار) للنحر والتفتّت، كما يحصل للأسف الشديد في العراق. ارتدي ملابس قرنفل، بطلة «صحّ النوم»، دعيها تسرق ختم الحاكم المستبد لتعيد إلى المواطنين حقوقهم الضائعة. دعيها تردّد: «يا مولانا الوالي/ شفت الأهالي ناطرين/ واقفين، ناطرين/ حاملين بيوتن بإيديهم/ جرّحني صريخ ولادن/ وشفتك نايم يا مولانا...». سيسمعك السوريّون جيّداً، كما سمعك الفلسطينيّون والأردنيّون واللبنانيّون... فتحت سماء دمشق، ومع أهلها فقط، يمكن اختراع «الربيع» الآتي لا محالة...
( categories: )
زياد الرحباني انتبهتُ بعد دخولي بسيارتي موقفاً للسيارات إلى جملةٍ مدهونةٍ بالبويا الحمراء على أحد حيطان المكان تقول: لسنا مسؤولين عن السرقة لا ليلاً ولا نهاراً. وقد تمَّ ترميمها ببويا بيضاء للتأكيد وأضيفت إليها كلمة: الإدارة. نظرتُ في المكان بعض الشيء واستدرتُ بالسيارة محاولاً الخروج، فعاجلني شابٌّ يفترض أنه المسؤول عن النشاطات الأخرى غير السرقة في هذا المكان، و«خبط» بيده على مؤخّرة السيارة قائلاً: ـــــ اترك السيارة والمفاتيح يا أستاذ وأنا أهتمّ بها. ـــــ لا شكراً، أُفضّل أن آتيكم في أوقات أخرى. ـــــ سيّدي يوجد مكان هنا. ـــــ أشكرك فعلاً، المشكلة ليست في المكان، لقد قرأتُ ما تقوله «جداريتكم» هذه وفهمتُ أنكم غير مسؤولين عن السرقة لا ليلاً ولا نهاراً، ففضّلتُ أن أركن سيارتي في الوقت المتبقي. ـــــ وأين هذا؟ ـــــ إنّه مكانٌ عظيم لن تحلم به لا في الليل ولا في النهار.
( categories: )
| لندن تطلق خدمة "SatLav" الإلكترونية للمراحيض العامة | 1846 (GMT+04:00) - 29/11/07
| |
( categories: )
زياد الرحباني إن الله يحبّ جوزف سماحة. فلقد قرّر سبحانه أن ينجّيه البارحة، من أعراض وأحقاد العديد من العديدين. خطفه كالبرق من بين كل المتربّصين به. إن الله يحبّه، فهو يعرفه جيداً، وللرفيق جوزف مكانةٌ عنده. يعرفه ويخاف من أعدائه عليه. يعرف أنه لا يحتاط، وأنه ضد التدابير الأمنية الشخصية والمرافقين، يعرف جيداً كم هو مستهترٌ أحياناً بحقّ نفسه، فأخفاه عن السمع والأنظار. أعدّ له ميتَةً شهمة، مختزلة خاطفة، خصّه بميتَةٍ بليغةٍ ولائقة، بعيدة عن وحُولِنَا العارمة، طالعةٍ من وسخنا المتراكم اليومي، النهاري الليلي اللامتناهي لا بحولِهِ فكيف بدونه؟ مات ميتَةً يسمّونها منذ قديم الزمان الأفضل الأرحم: ميتَةَ ربّه... بكل نظافة، بكل تجرّد. ميتَةً ليست حلوة بالتأكيد لكنها، سيّدةٌ، حرّة، مستقلّة! لا مجهولَ من زمرهم ليُدّعى عليه فيها، ولا مشبوه. لا يدَ لجانٍ عميل، لمتطرّفٍ درزيٍ، مارونيٍ أو سُنّي، لا يقرأ وإن قرأ لا يفهم. لا إصبعَ «لِنِسٍّ» من أكثريتهم حاقدٍ عليه... لم ولن يَبْلُغَهُ، فقد رحل. غدره الرفيق جوزف خلال ليلة البارحة، فنكّد عليه المتبقي من حقده على مدى الحياة، وأفشل بالمختصر كل محاولات التخلّص منه. أساساً، فربّهُ سبق الجميع، ورحل به من على الطريق العسكري في جنح الظلام. ربّهُ يحبّه، قلتها لكم وأكرّر، ربّه يحبّه ولو أنه كفَرَ مرّةً، لو أنه كفَرَ مرّات. فالربّ يا إخواني قادرٌ على أن يحبّ الكفار كما المؤمنين. بل إنه يفضّل الكافر الطيّب النظيف المعطاء على المؤمن الآخذ الآثم الشرّير... وها قد أفلت الرفيق جوزف سماحة منهم ولكن منّا أيضاً في فجر 25 شباط. فما العمل الآن؟ ما العمل «الآن هنا»؟ كما كان الرفيق يُعَنْوِنُ افتتاحيته في «السفير». لا توجد ميتةٌ حلوة بالتحديد، كما أنه في المقابل لا حياة حلوة بهذه السهولة. وستشحّ حلاوتها كثيراً دون شيوعيٍ أصيلٍ عنيد. أنا لستُ حزيناً في هذه اللحظات، «الآن هنا»، أنا غضبان، وخائف بعض الشيء. أمّا الحزن فلا... سأحزن لاحقاً مع بعض أصحابه الحزينين. إن أعداءنا، يا حفنة المتبقين، يا حفنة الشيوعيين النضرين النادرين، يا بعض الباقي من أصابع اليدين، وهذا ما يخيف، إن موت الرفيق سماحة يستنفرني فَلْيَستنفرْكُم!... إن أعداءنا يدورون حولنا كلّما استطاعوا. إنهم مصمّمون باقون، إنهم يحاولون يحتشدون، ولم يبقَ لديهم ما يهوّلون به منّا على أعراضهم ويخيفون الأطفال، سوى أننا: سوريّون، أفغان، طالبان، وفرس. سوى أننا كارهو لبنان، حاقدون على الحياة فيه، مجرمون واستشهاديون، آكلو متحضّرين، سيستولون بعد تطيير المحكمة الدولية، على السلطة ويحكمونهم. وعلينا أن نواجه هؤلاء دون الرفيق سماحة. نحن أضعف في هذه اللحظة لأننا خسرناه، فنحن سنواجههم بدونه. الحزن والانهيار الآن، قاتلان. لا! نَفَسُ جوزف طويل وقد تنفّسنا عمراً معاً، وحَّدْنا الأنفاسَ قبل الأهداف، وهذا وقت التنفّس المثالي العميق والطويل. في نهاية هذا الأحد الماطر الشاهق، أؤكّد لك يا رفيق، أنك زدتَني تأكيداً، أنَّ ما نحن مؤمنون به، هو مستقبل الإنسان اللازم وهو الصحيح ولا يصحّ غيره. في هذه اللحظات لا أعرف ما هو الرابط بين موتك وبين ارتفاع مستوى تمسّكي بالتزامي، لكنني سأعرف لاحقاً. فلهذا علاقة بالعقل والعقل الهادئ، والقناعة دوماً أقوى من العقل. فكيف “الآن هنا”؟ كنّا نفضّل، كنّا وما زلنا نعشق أن تكون معنا يا جوزف في طريقنا المتبقّي، لكنّكَ ذهبْتَ، لكنّكَ... ذَهَبَ. ماذا نفعل؟ إن الأعمار بيد الله، لكن النصر بأيدينا. فَنَمْ عميقاً ولا تَخَفْ!
( categories: )
زياد الرحباني في الأقليات (2): إن مصير الأقليّات، والكاثوليك على رأسهم (ديمقراطياً ودون توافق) اسود مئة في المئة. إنّه من لون الفحم أو الزفت بشكل أضمن. لن يكون لهم مقعد حتى في حكومة موسّعة الى المئة وزير! وما درجت عليه العهود والوعود تاريخياً حتى اليوم، ساقط الى غير رجعة، وقد حصل على الجنسية الكندية. فعندما يتخلّى الموارنة عن رئاسة الجمهورية لمصلحة السُنّة، كيف، يتساهلون بعدها بالحقائب الوزارية؟ هل ترك الموارنة مؤسسة الأمن الداخلي برمّتها للمحمّديين ليعودوا ويتفرّجوا على نوّابٍ او لا سمح الله وزراء «لاتين» او بروتستانت يحتفظون بحقائب؟ وذلك تحت حجج واهية ك «أقليّات» او «توازن» او بطّيخ؟ معاذ الله والله واحد فليتدبّروا ويبلّغوا الكلدان والسريان والعلويين إن كان لهم «محكى» معهم. لن يرى الكاثوليك وزيرا للدولة بعد اليوم، على عمومية مهمّاته وغموضها. فالتخطيط للمستقبل الكاثوليكي ضرورة داهمة فلا هم سيرضون بالانتماء الى الجيش طبعاً، قيادة كاملة للموارنة وقاعدة مبكّلة للشيعة، هذا وحده كافٍ فهو كابوس وليس حقيقة. هذا سيذوّب هويتهم المتآكلة نهائياً في هذا البلد الأغرّ الغادر. هنا يبرز دور الحضانة الكبير لدولة الفاتيكان. وهي، على فكرة، لها مرجعية رسمية في الدولة اللبنانية عبر سفيرها البابويّ. نعم، فسيشرف مكتب حديث لروما الأمّ على الهجرة الحضارية للكاثوليك. مكتب مرتبط بالAlitalia وطيران الشرق الأوسط، ينظّم الرحلات شهرياً كرحلات الحج الموسمية إنما بشكل أكثر استقراراً لهم وذلك خارج الوطن. ستعدّ لهم إدارة الفاتيكان للأمور الدنيوية الرعوية، عددا كبيرا من «الصوامع المفروشة» لشخصين وما فوق، صوامع مدفّأة للعائلات الكاثوليكية المغادرة، مع واحات رخامية رحبة بين تيك الصومعات للتأمل والاتحاد بالله بعد الطعام وفي ساعات الصباح المقدّس الباكر. سيكون لبنيديكتوس السادس كلمة مواساة وترحيب حيّة، ثلاث مرّات اسبوعياً، من على مدرج مطار روما للوافدين من لبنان الى ديارهم الروحية الأولى. ستسهّل حاضرة الفاتيكان شؤون توظيفهم او إيوائهم ك «لاجئي حضارات» في جميع دول أوروبا الغربية. تُستثنى منها طبعاً، دولها الشرقية سابقاً فمعظمها للروم الأرثوذكس غير المتعاونين لحقدهم الدفين عليهم وعلى الذي خلّفهم فهم لا يعترفون لا ببابا ولا بماما فكيف بكاثوليك لبنانيين؟! سيتبنّاهم الفاتيكان كونهم أوّل من دفع ثمن «صراع الحضارات» الذي يبشّر به البابا كي نتلافاه كما فعل قداسته على سبيل المثال وما زال يفسّر وينقّب عن انواع الاعتذار الناتج منه. سيحمل قضيّتهم، فهم مثال صارخ على «غدر» أمّة محمّد (ص) «محمّد السفّاح»، «قاطع الطرق»* استغفر الله. الذي لن ينجح الاعتذار بإذنه تعالى. انهم ضحايا تواطؤ المحمّديين اللبنانيين مع بني مارون وديك الجنّ الحمصي* تحت عناوين مشبوهة كالتعايش واللحمة الجديدَين، تواطؤ للاستئثار بالسلطات جمعاء ولنبذ جميع الآخرين خاصة الأقليّات. حتى الدروز، حلفاء الأمس، لم ينجوا من مخططاتهم الجهنميّة فلا قِدَم المعشر ولا الخبز والملح شفعت بهم. لا حرب الجبل القديمة والمصالحات الطيبة وذكريات الصندوق المركزي للمهجّرين البشعة اللذيذة تفيد. ما العمل؟ هذه حال الأوطان الفريدة، أوطان الصيَغ النموذجية، وعليه سيطلب يوماً وليد بك جنبلاط من الكاثوليك، تأكيداً على الوفاء التاريخي الدرزي - الماروني أي المسيحي، لسوء حظّ الكاثوليك ورغم سوء حظّهم، تسليمه «دير المخلّص» كذكرى طيّبة لحسن الجوار والتآخي. فالدير تاريخي ويقع، كما خلقه الله، في أحضان الطبيعة الشوفية. إنّ وليد بك جنبلاط خير من حافظ عليه وله تاريخ في ذلك. فهو يحبّ مآثر الكاثوليك وآثارهم وآثار الجميع بدون تمييز.
( categories: )
زياد الرحباني مع صدور عدد اليوم من جريدة «الأخبار» وتسلّم المواطن اللبناني إيّاه، تعتبر جميع القيادات والفعاليات، سياسية، عسكرية، مسؤولة: «شخصيات معنوية مؤقتة»، وذلك، حتى يكمل الجيش الحكيم القادر، حارس الحدود، حامي الحمى، عملية تحييد الأراضي اللبنانية المعترف بها دولياً وبصعوبة، عن آثار جميع الأحداث والمجريات التي توالت وتزامنت منذ بداية العام 2005 مع مفعول رجعي يمتد إلى نهاية الشهر السادس من العام 2004، والقرار 1559، هذه الحقبة التاريخية التي أسهمت، وبكل فخر وعناية ولا وعي في نهاية ما يسمّى الجمهورية الثانية أو الثالثة وجعلها الأخيرة دون منازع.
( categories: )
ذات يوم اتصل جبرا ابراهيم جبرا بالدكتور عبد الواحد لؤلؤة، وطلب منه أن يقرأ مقالة كتبت على أنها تحليل بنيوي لشعر عبد الوهاب البياتي، في إحدى الدوريات العراقية المتخصصة، وعندما أجابه لؤلؤة بأنه قد قرأها، ضحك جبرا وقال وهل فهمت شيئاً؟! قال لؤلؤة لا، وهل فهمت أنت شيئاً، قال لا!! تبادلا ضحكة مليئة بالأسى وأقفلا السماعة على قناعة مفادها: أنه إذا كان هذا حالهما وهما المختصان في هذا المجال، فما هو حال القارئ المسكين الذي عليه أن يفهم هذه الطلاسم؟! من هذه الحادثة العميقة في مدلولاتها أردت لحواري مع الدكتور لؤلؤة، أحد أعمدة النقد العربي الحديث، أن يمتد ويتشعب ليطال ذاكرة عمرها تجاوز نصف قرن، كانت شاهدة على أحداث كثيرة وشخصيات ثقافية مهمة عبرت تاريخنا العربي، مشكلة ذاكرة جيل بأكمله..
( categories: )
حوار مع فراس السوَّاح ينفتح بك على غابة من الأسئلة... أسئلة تتعلق بتاريخك، بمعتقداتك، بحقيقة وجودك. ومن ثم يضعك وجهًا لوجه أمام باحثٍ آثَر البحث التاريخي، فكرس جلَّ جهده للبحث في الأسطورة وتاريخ الأديان، لتأتي كتبُه مغامرة العقل الأولى (1978)، لغز عشتار (1985)، دين الإنسان (1994)، الرحمن والشيطان (2000)، الحدث التوراتي (1989)، آرام دمشق وإسرائيل (1995)، تاريخ أورشليم (2001)، الوجه الآخر للمسيح (2004)، إلخ، ثمارًا لهذا المشروع، ولتطرح اسمَه كباحث عالميٍّ يتصف بالموضوعية والحياد، غدت مؤلفاتُه المؤسِّس الأساسي لتفكير أجيال أتت بعده.
دُعِيَ واثنا عشر باحثًا عالميًّا للمشاركة في مؤتمر دولي حول أورشليم العصور القديمة. وعلى الرغم من هذه المكانة العالمية التي حقَّقها إلا أن مؤلَّفاته ما تزال بعيدة عن جامعاتنا، وما يزال أمرُ اعتمادها كمراجع خاضعًا لـ"مزاج" كلِّ أستاذ! في الحوار التالي، يوضح فراس السواح علاقته بكتابه دين الإنسان، الذي يعترف صراحةً أنه لم يستطع تجاوُزه حتى الآن؛ كما يوضح رأيه باقتصار ظهور "الأديان السماوية" على منطقتنا العربية؛ إلى رأيه بإعلامنا المحلِّي ومناهجنا التعليمية، وغيرها من المواضيع "الحساسة" التي ندعوكم إلى متابعة تفاصيلها عِبْر الحوار. ر.ج. *** روزالين الجندي: ما الذي يؤرق فراس السواح؟ فراس السواح: هذه الهوة الكبيرة بين العلم والإعلام... فهذا الأخير دائمًا ما يتناقل أية مسألة في مستوى تناقُل الإنسان العادي جدًّا لها! للأسف، إعلامنا غير موثَّق، ولا يستند إلى ركيزة موضوعية. ر.ج.: هلا وضَّحت رأيك هذا؟ ف.س.: للأسف، ليس لدينا ما يسمَّى صحفيًّا "متخصصًّا" في مجال معيَّن، بل هناك صحفي "شامل" يعمل في المجالات كلِّها – سياسية، اجتماعية، تاريخية، إلخ. وهذا يستتبع، بالتالي، ظهور أخبار في الصحف كثيرًا ما أطَّلع عليها فتضحكني؛ كأن تكون، مثلاً، خبرًا حول اكتشاف آثاريٍّ مكتوبًا بطريقة مغلوطة تمامًا. للأسف، الإعلام في بلدنا ما يزال مؤدلَجًا في كثير من نواحيه، لا يبحث عن الحقيقة بمقدار ما يبحث عن "الخبطة الإعلامية"! وللأسف أيضًا، فمعظم العاملين في التلفزيون والسينما والصحافة يعانون من هوة حقيقية بينهم وبين العلم. سأذكر لك حادثة مضحكة: منذ فترة، كان بعضهم يفكر في عمل مسلسل تلفزيوني حول أوغاريت؛ ولاستكمال جوانب تلك الفترة كاملة، لجؤوا إليَّ من أجل الأمور المتعلقة بالتاريخ. وفوجئت بأكثر من عامل في هذا المشروع يسألني: "هل كان اليهود حثيين؟" فكيف يكون اليهود حثيين؟! هذا إن دلَّ على شيء فعلى أن العاملين في المجالات الثقافية ليست لديهم معرفةٌ بألف باء التاريخ! هذه الأمور، إن كانت تجهلها الشرائح الوسطى، يجب ألا يكون الأمر كذلك عند هذه الفئة بالذات. ر.ج.: ما دور المناهج التعليمية في ذلك؟ هل أنت راضٍ عنها؟ ف.س.: للأسف، أيضًا وأيضًا، مناهجنا التعليمية "هابطة" المستوى على الأصعدة كلِّها، وخاصة المتعلق منها بتدريس التاريخ. فالتاريخ لا يُنقَل لأبنائنا نقلاً صحيحًا، بل يُنقَل مُفَلْتَرًا... ر.ج.: إذا كانت معرفة التاريخ الصحيح يُستمَد بعضُها من البحث الأرخيولوجي [الآثاري]، فبرأيك، هل نحن نولي أهمية لبحوث كهذه؟ – أقصد كمؤسسات ثقافية. ف.س.: طبعًا لا! فمؤخرًا فقط صارت لدينا بعثاتُ تنقيب وطنية. ولكن هذه البعثات تعاني من نقص في الكوادر المؤهلة لأن عدد الذين نوفِدهم لدراسة علم الآثار في الخارج قليل جدًّا مقارنةً بعدد مَن نوفِدهم لدراسة الطب أو الفيزياء إلخ. نحن – فعليًّا – لا نقدم شيئًا يُذكَر لعلم الآثار؛ ولا أعرف السبب، على الرغم من كون سورية منطقة غنية بالآثار: لدينا، مثلاً، أكثر من 200 "تل" حاليًّا من الممكن التنقيب فيها. جمهور عربي مضطرب عاطفيًّا ر.ج.: في كتاب أورشليم العصور القديمة بين التوراة والتاريخ – وهو مجموعة أوراق العمل التي قُدِّمَتْ إلى المؤتمر الدولي لتاريخ أورشليم – يقول محرِّر الكتاب توماس تومپسون في مقدمته إن العديد من المشاركين في المؤتمر أعادوا كتابة أوراق عملهم بعد أحداث الحادي عشر من أيلول. ألا يؤثر هذا، برأيك، على مصداقية هذه الأبحاث، فيترك لدينا الانطباع بأن مؤلِّفيها ينظرون إلى التاريخ من خلال ما يحدث عالميًّا؟ هل في إمكاننا فعلاً – والحالة هذه – أن نتحدث عن باحث "حيادي"؟
( categories: )
ياسين الحاج صالح أيها الأعداء الأعزاء! شكراً لكم من القلب! لقد حررتمونا من شعور بالنقص كان أشد فتكاً بنا من أشد أسلحتكم فتكاً. بصراحة كنا نظنكم أكثر تحضراً. لم يكن يخطر لنا ببال أنكم ستأخذون أطفالكم إلى معسكر لجيشكم كي يباركوا الصورايخ التي ستقتل أطفالنا. ولا نظن أن أنظمتنا، وهي على ما تعلمون من تفاهة واتضاع شأن وخلق، يخطر ببالها أن تفعل مثل هذا. أنتم، أيها الأعداء الأعزاء، آية من آيات الشمولية التي تعرفها جيدا جلودنا وأخامص أقدامنا وأعمارنا وقلوبنا. نصدقكم القول بأننا لأول مرة نجد لكم شبيهاً: أولئك الذين يحكموننا. كنا نظن أحيانا أنكم لا تشبهون أحدا، أننا نحتاج إلى عقول مختلفة كي نفهمكم. وقد حرصتم من جهتكم، وأنتم من أنتم دهاء وذكاء وحسن انتباه، على ترسيخ ظننا هذا. نشعر الآن بأننا نعرف جيدا من أنتم وما تفعلون، نحتاج إلى ذاكرة نشطة لا إلى عقل مختلف لندرك ما تفعلون بنا. تذكروننا بقتلة محليين، لطالما فعلوا بنا فعلكم فينا. وبفضل مشترك منهم ومنكم، اهتدينا إلى أنه لا أشبه بقاتل من قاتل. هل كان يجب أن نقتل إلى هذا الحد لندرك أن القاتل واحد دوماً في عين القتيل؟ لا نزال نعرض صور أطفالكم وهم يكتبون رسائلهم العاطفية على الصورايخ التي ستقتل أطفالنا. لا تخطئوا فهمنا. ليس مقصدنا الوحيد هو التشهير بكم. فمهما بدا ذلك غريبا لكم، نحن لا نداوم على الحملقة في تلك الصور إلا لأننا مصدومون، مصدومون بأنفسنا، بسابق حسن ظننا بكم. لم نحبكم يوما، لكن خيل إلينا أحيانا أنكم قد تكونون محترمين. لكن أيها الأعداء الأعزاء غير المحترمين، لقد حررتمونا من النقص إزاءكم، فقط لتفجعونا بالضعف إزاء <تحالف التافهين>. وهذا أتفه الضعف وأذله. مع ذلك لكم منا، أنتم أيها المتحالفون الكرام، الشكر، لأنكم توفرون لنا تعريفا حقيقيا للحرية: الخلاص منكم، من مثالكم السام، من استثنائيتكم القاتلة، من أمنكم المميت، من تعصبكم الخارق، ومن قسوتكم الفذة. شكرا لكم، شكرا من القلب!
( categories: )
أرجو أن أحيطكم علماً يا سيدي بأنكم تحرجون التاريخ في بلاد العرب وأمة العرب، التي كانت خير أمة أخرجت للناس. تحيط بها الشعارات واللغة والمبادئ، وترصع شعاراتها ومبادئها دونما أدنى توافق أو إيمان. من الولادة يا سيدي تلتهمنا المفردات وتعلكنا، نمضغها ثم نبصقها ناراً ولهباً على خريطة الأعداء، فترتعد فرائصهم من بلاغة كلماتنا وحسن تسديدنا. فلماذا تحرجون التاريخ فينا؟ ألسنا أمة <وما أنا إلا من غزية..>؟ لم يبق أحد لم يجرب الإمساك بحلم الجماهير وحلم الأمة. ملوك وأمراء ورؤساء وشيوخ ورفاق وإخوة واختراعات لا حصر لها من الألقاب قبضت على حلم الأمة وسارت به وبشعاراته في مواكب انتصارات الوهم وتحقيق البطولة لأمة ناءت تحت وطأة الشعارات وأقمشة اللافتات المصلوبة في رأسها. أمة بات خطاطوها يجيدون اختراع الشعار قبل قيادات الأحزاب المختلفة، ذات الرفاهية القومية والوحدوية والاشتراكية، أمة تخرج لكل هزيمة مئات الشعارات فتنتصر! ولكل نكسة مثلها من الشعارات المعدّة والمطبوخة على طريقة الخندق الأخير. في هذا الخندق الأخير يا سيدي نقبع محرجين من فعلتك. في هذا الخندق طبختنا الانقلابات وحصانة الأنظمة ورجال أمنها، فحملنا الشعارات حتى لا نفقد لقمة العيش. في هذا الخندق حفظنا وحفظتنا القومية العربية ورجال مخابراتها الذين يجيدون فك الرقاب قبل فك الحرف. في هذا الخندق كُتبت بالأمة عشرات التقارير كيما يتأكد التنظيم من ثوريتها!! وكيما يتحصن الشعار ويثبت بشكل يستحيل حتى على القصف أمام واجهات الأحزاب المختلة. في هذا الخندق قدمنا امتحان دراستنا للأغنية والنشيد كي ننصر الشعار. فلنصرة الشعار جرائد وجرائديون، وشعائر وشعائريون، وطبول وطبالون، وبيانات وبياناتيون، وشاشات وشاشاتيون، ومايكروفونات ومايكروفوناتيون، وكذا وكذا ذاتيين. في هذا الخندق، نزين البيانات ونرصف الشوارع باللاجئين والكلمات الساخنة، ونوقد تحت اللغة ناراً ذات لهب. في هذا الخندق باقون على اختراع المفردات واستيلاد الكلام المدجج. باقون على آخر شعرة في ذنب القرن الحادي والعشرين، نولد ونحتضر وندفن في ركام وآثار من سادوا ومن بادوا ومن يسودون ومن سيرث السيادة داخل خريطة الامتيازات القبلية والعشائرية والطائفية والمذهبية والنفطية وغيرها. إسلام يخلو من المسلمين. ومسيحية باتت في دنيانا لوحة تشكيلية لنبي مذهّب مصلوب بجمل أخاذ على جدران الأيقونات، وكلما ازداد التماعاً كلما نسينا من هم قتلته. مساجد تسرق فيها الأحذية، كما تسرق عقول دهماء المؤمنين تحت جحيم الخطب الملتهبة والصلاة على الأموات. وكنائس التعميد والقداس والجناز والتكليل والألبسة الفاخرة وباقي ما تبقى. سيادة وامتيازات تشحن رجال الدين بهمة جديدة كي تنير أمام رعيتها دروب الإيمان والرحمة تحت وطأة الشعار ورجال الأمن أو تحت وطأة الامتياز المذهبي داخل الخندق. أحرجتم التاريخ في دنيانا أيها السيد، فلماذا قرار تحقيق الشعار؟ لماذا تنزلون كلماته من على أقمشة الكتابة؟ لماذا تقصفون رخاءنا؟ وعاداتنا وتقاليدنا؟ لماذا تهاجمون إحباطنا، وتُخجلون أحزابنا ورجال أمننا؟ وتحرجون أنظمتنا، وتضربون عرض الحائط بمصالح ملايين المتحزبين، وتصفعون المواكب والمراسم وابتسامات زعماء الأحزاب العقارية، والاشتراكية والشعبية. لماذا تربكون الأحزاب في تاريخ نضالها وكفاحها من أجل الشعار؟ ما الذي فعلته يا سماحة السيد؟ سامحك الله، لقد دمرت يأسنا، وستتحمل وحدك مسؤولية الفخر بك. كان الله في عونك.
(السفير2006/08/10)
( categories: )
اثار التعديل الذي اجرته القناة الأولى على شعارها ( اللوغو ) سؤالاً قديماً حول صحة تسمية النصب المجاور لمبنى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ، والذي استوحي منه شعــار القناة الأولى ، باسم السيف الدمشقي 0
( categories: )
سلطة عربية عجيبة!!؟ سلطة تبارك لاسرائيل حربها على لبنان وعلى حزب الله الذي قام يؤذن للحرية. سلطة تقيم لنا تدفننا، تدفع بنا للعيش في مقبرة جماعية فلا نموت تلك الميتة المشرفة ونحن ندافع عن وطننا. سلطة تريد ان نموت ميتة حضارية بقنابل اسرائيل، فنصير قطع غيار وفئرانا وكلاب تجارب. وإذا خرج صوت واحد وقال لها: لست وحدك الذي يمتلك الحقيقة المطلقة، ونحن لسنا غنما لا يجيد غير الثغاء، فتثور ثائرتها، فتصير تجلدنا، لكن هذه المرة بسوط صهيوني وفي لبنان، وتصير تذبحنا بدعوى أننا خرقنا تمردنا على القانون الروحي، على القانون المدني، وبسيفها سيف اسرائيل تحز رقابنا سلطة تعطي لنفسها صلاحيات مطلقة فتصير ظل الله في الأرض، من أطاعها أطاع الله، ومن عصيها عصي الله. إيه يا حكامنا، إيه يا بوش ربان العالم الجديد، رب الديموقراطية التي تستحم بدم البشر، رب العدل والرحمة الذي اختاره الله لمعاقبة كل من يعادي أميركا واسرائيل. إيه يا حكامنا، إيه يا الحاكم العربي الذي يؤيد رئيس وزراء العدو (أولمرت) بضرب حزب الله وكسر رأسه، إيه يا بوش الذي صار يضمن لمن يموت في الدفاع عن مطامع أميركا بالحياة الأبدية الخلود لأنه يحارب عن الرب/ حرب الرب. فبوش يسترد للرب صولجانه بإشعال الحروب/ الحرائق في كل مكان. إيه يا قوادي الأمة من أي صلب جئتم؟؟ إيه يا قوادي العالم من أي صلب جاء هذا الحاكم النسخة المصدقة عن زملائه القتلة البررة؟ لو كان من صلب أخواله لما تمنى ما تمناه. أهكذا تحولت قوانين التناسل يا الله؟ أنا لا أعتقد أنك ستخذلنا نحن الذين من حزبك حزب الله فتمنحهم تمنح هؤلاء القادة الحكام ختم سلطتك فيقهرونا/ يبيعوننا لاسرائيل فتذبحنا كما النعاج، أنا لا أعرف يا الله كيف وصل هؤلاء اللصوص القراصنة الى سدة السلطة. ثم من قال يا الله أنهم ولدوا هكذا حكاما فيتسلبطوا، يتسلطوا علينا فيما نحن ولدتنا أمهاتنا للطاعة فنطيعهم؟. يا الله نحن نحبك، وفي حبك لا تقبل شريكا ولا شراكة. فكيف يشاركك هؤلاء الأنذال وتسكت عنهم. فيباركون اسرائيل ويهنئونها بنجاح عملياتها في لبنان بقتل أحبابك ولا تفزع لهم. هلا تفزع لنا يا الله. هلا تفزع لنا ونحن الذين نغيب فيك فلا نعود نحن نحن، ولا تعود أنت أنت، ونصير نحن أنت وتصير أنت نحن؟ يا الله كأنك تتخلى عنا ونحن نسكن في وجدك، وجدك يسكرنا. يا الله نحن نخافك فلماذا يريدنا حكامنا ان نخاف منهم. هل هي شراكة. يا الله نحن نحبك فلا نشارك أحدا في حبك. فكيف تريدنا نصحو من سكرنا فيك لنسكر في حب من يشاركك. يا الله ما هذا الذي يجري؟ نحن في دهش وحيرة. دهش بك وحيرة من هؤلاء الحكام كأنك كنت معنا، كأنك تتركنا وتذهب. فلا تتركنا، وتتخل عنا فلا نتخلى عنك.
( categories: )
وها أنا، منذ ساعات ما عدت أحصيها، أجلس أمام التلفزيون، شاعراً أنه <سلاحي> الوحيد. هذه الفضائيات العشر التي أتنقّل بينها هي ساحات مواجهتي البائسة، وذلك الريموت كونترول المتعرّق من شدّة التصاقه بيدي هو ذخيرتي الوحيدة أو ما تبقّى منها، وهو أيضاً قوة الجاذبية التي تلصقني إلى الكنبة، وإلى الغرفة، والعالم. وأشعر أنني جندي تركته الحرب في خندق من عراء. جندي بعينين مفتوحتين فقط. وهناك، تلك اللحظات القليلة، التي تعبر بالك سريعاً فلا تحس بها إلا بعد حين، حين لا تعود تعرف تماماً ما تحسّ به، أو ما ينبغي أن تحسّ به أو حتى ما كنت تحسّ به قبل قليل. هكذا تماماً كامرأة تتعرض للاغتصاب، تختلط مشاعرك أمام الصور التلفزيونية الفادحة المنهمرة عليك، فتروح تتنقّل بين كرهها هي وكره نفسك بسببها. وما الذي يمكنك أن تفعله أمام التلفزيون؟ هل تمدّ رجليك باسترخاء مثلما كنت تفعل في العادة، في الأيام العادية، مدخناً سكائر المساء، زائراً المطبخ من حين إلى آخر لكي تجلب كأساً، أو تجدد أخرى، أو تعدّ طعاماً خفيفاً؟ هل تزعم لنفسك أحوال النازحين وأولئك المرتجفين في بيوتهم الهشة في قراهم ومدنهم المحاصرة، فلا تمنح نفسك مثل هذه الملذات البيتية الصغيرة التي هي من علامات العيش العادي؟ ما الذي تفعله إذاً، أنت <المحاصر> أمام التلفزيون في أوقاتك الفارغة هذه؟ تتصل بصديق تتشارك وإياه هموم الأحداث، صارخاً وشاتماً ومتحمساً ومحبطاً وسوى ذلك من أحاسيس متعارضة تحلّ بك وبجميع من حولك؟ هل تكتفي بعينين تغرورقان دمعاً أمام مشهد جثة طفل؟ هل تذهب إلى حدّ البكاء؟ وماذا بعد؟ ما هي إلا لحظات عابرة تعود بعدها إلى مزاولة عملك كمشاهد بدوام متقطع. تقفز من <خبر عاجل> على إحدى الشاشات إلى <خبر عاجل> على شاشة أخرى. تروح تصرخ محيياً هذا <المحلل السياسي> أو ذاك بسبب صوابية ما تفترضها في كلامه وفي منطقه، أو تشتم محللاً آخر بسبب خبث ما في مواقفه وتحليلاته. ثم كالعادة تصاب بالإعياء، بلحظة الفراغ الكبرى، وتعاود الإرتطام بالجدار نفسه. الجدار الميت نفسه. نحن الكائنات التلفزيونية، الحشرات التلفزيونية، الطفيليات التلفزيونية، نشعر إذا ابتعدنا عن الشاشة قليلاً، بتلك الحكة الجلدية التي يشعر بها المدمن، دمنا ينادي على المشهد وعلى الخبر، نشعر بالاختناق إن لم نتلق جرعتنا الاعتيادية منه، بل إننا أصبحنا، يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة، بحاجة إلى جرعات أكبر تغذي إدماننا المتعاظم. قصف <حيفا> أصبح خبراً قديماً، جرعة قليلة، ومثله تدمير البيوت والبنى التحتية اللبنانية والضحايا الذين بالمئات، استهلكناها بسرعة، وها هو دمنا التلفزيوني يصرخ مطالباً بالمزيد. نريد صاروخ <زلزال> وتل أبيب، والاجتياح البري، نريد المفاجأة الجديدة. نحن أطفال التلفزيون نعشق المفاجآت التي باتت قوت يومنا ومقياس أوقاتنا. قبل النوم، نقوم بجولة أخيرة بين الشاشات علّنا نعثر على <المفاجأة>، وحين نتأكد من أنها لم تأت بعد، نمضي إلى الفراش مطمئنين، لنهرع لحظة استيقاظنا صباحاً ونقوم بالجولة الصباحية، علّ بابا نويل المفاجآت هبط خلال نومنا من مدفأة الشاشة وترك مفاجأة لنا. نتناول طعام الغداء بسرعة وكأننا نوهم أنفسنا بأننا نعيش حقاً إيقاع الأحداث، وإذ لا نرى جديداً حقيقياً أو تطوراً جوهرياً في الأحداث، نشعر بنوع من خيبة الأمل، وبأن غيابنا المؤقت هذا عن الشاشة، بسبب أعمالنا ووظائفنا وأشغالنا الأخرى، لا بد من أنه السبب في عدم حدوث الأحداث نفسها. نحن أبناء التلفزيون نشعر أن العالم يتحرّك بقوة أعيننا وحدها. وهو الألم، ذاك الذي لا يتوقف عن اجتياحنا والتوغّل فينا، ولا شيء آخر. وهو ألم الانفصام. وألم المشهد، الألم الفائض عن المشهد، وهو أولاً وأخيراً ألم عجزنا الذي لا ينتهي. وعلى الشاشة ثمة من يصرخ أو يهمس دعماً للمقاومة. وثمة من يهمس أو يصرخ إدانة للمقاومة. وعلى الشاشة <ثورجيون> و<عروبيون> و<مغامرون> <وصامدون>. وعلى الشاشة <ليبراليون> و<عقلانيون> <وواقعيون> و<استسلاميون>، وعلى الشاشة <إنسانيون> و<محايدون> <ومنطقيون> و<حائرون>. وعلى الشاشة جنون يتصاعد وخراب لا ينتهي. وأنت عالق هنا بين الريموت كونترول، وبين هؤلاء جميعاً. وتحلم بأن تنام نوماً طويلاً يختفي معه كل هذا. وتحلم بسرير لا تزاحمك عليه آلاف الجثث. وتحلم بحياة تافهة. حياة تمر فيها الأيام مثلما ينبغي أن تمرّ، مثلما تمرّ على بشر آخرين، في أمكنة أخرى من الكوكب. لكنك تعرف أنك تحلم، وأن ما تراه على الشاشة ليس وهماً، بل الواقع مقطعاً إلى أوهام صغيرة. لأنها الحرب التلفزيونية كذلك: الواقع مقطعاً إلى أوهام صغيرة. أوهام انتصار أو هزيمة. حق أو باطل. أمل أو يأس. ليل أو نهار. إحساس أو خدر. لأنه في النهاية ليس إلا ذلك الضوء الأحمر الصغير الذي يومض على زاوية التلفزيون، وعلى رأس الريموت كونترول... وفي النهاية يُقتل من يُقتل، ويُهجّر من يُهجّر، ويُدمّر ما يُدمّر، هناك، في العالم الحقيقي، وراء زجاج الشاشة، حيث لا تصل عين، ولا يرفرف قلب، ولا يومض ضوء.
( categories: )

All rights reserved for the artist Husam Wahab personally Copying or borrowing are provided that there will be a reference to the origin and without deformation of the work. For more information, please contact us.
|